صديق الحسيني القنوجي البخاري
124
فتح البيان في مقاصد القرآن
تجوز بحال يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ بالجوار والحلف فلا تقتلوهم لما بينكم وبينهم عهد وميثاق ، فإن العهد يشملهم ، هذا أصح ما قيل في معنى الآية ، وقيل الاتصال هنا هو اتصال النسب : والمعنى إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ، قاله أبو عبيدة . وقد أنكر ذلك عليه أهل العلم لأن النسب من القتال بالإجماع ، فقد كان بين المسلمين وبين المشركين أنساب ولم يمنع ذلك من القتال . وقد اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ميثاق ، فقيل هم قريش كان بينهم وبين النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ميثاق ، والذين يصلون إلى قريش هم بنو مدلج وقيل نزلت في هلال بن عويم وسراقة بن جعثم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عهد ، وقيل خزاعة ، وقيل بنو بكر بن زيد . أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ والحصر الضيق والانقباض ، وقال محمد بن يزيد المبرد : هو دعاء عليهم كما تقول لعن اللّه الكافر ، وضعفه بعض المفسرين ، وقيل أو بمعنى الواو أَنْ يُقاتِلُوكُمْ مع قومهم أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ معكم فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين وكرهوا ذلك . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ابتلاء منه لكم واختبارا كما قال سبحانه : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [ محمد : 31 ] أو تمحيصا لكم أو عقوبة بذنوبكم ، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فألقى في قلوبهم الرعب فَلَقاتَلُوكُمْ يذكر اللّه منّته على المسلمين بكف بأس المعاهدين . فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ عن قتالكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ أي لم يعترضوا لقتالكم وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي استسلموا لكم وانقادوا فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي طريقا فلا يحل لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم ، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرمه ، قيل هذا منسوخ بآية القتال ، وقيل محكمة محمولة على المعاهدين وهذا هو الظاهر . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 91 ] سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً ( 91 ) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ والسين للاستمرار لا لاستقبال كقوله تعالى سَيَقُولُ السُّفَهاءُ [ البقرة : 142 ] قال السفاقسي : والحق أنها للاستقبال في الاستمرار للفعل لا في ابتدائه يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ فيظهرون لكم الإسلام ويظهرون لقومهم